عاقب ابنك على قدر الخطأ وليس الغضب..!

أكد د.أحمد بن حمد البوعلي - مهتم بالعمل التطوعي - أن عقاب الأبناء على أهميته يجب أن يكون على قدر الخطأ وليس على قدر الغضب، فالعقاب عملية تربوية تستهدف القضاء على السلوك الخاطئ، أمّا الانتقام فإنه سلوك يستهدف التعبير عن الغضب من سلوك مرفوض دون أن يكون بالضرورة سلوكًا خاطئًا؛ لأننا في كثير من الأحيان نتخذ ردود أفعال لها أبعاد انتقامية قد تفوق بكثير حجم المشكلة، مضيفًا أنه كثيرًا ما يخطئ الوالدان في التصرف مع الأبناء ويختلف ردود أفعالهم، فالبعض يبدأ بالصراخ، والبعض يعنف ويُوَبّخ والبعض يضرب، مبينًا أن شعور الأبناء بالظلم كفيل بإعاقتهم وعرقلة تعديل أي سلوك، لكن لا بد أن يكون العقاب على قدر الخطأ من خلال معايير واضحة تعتمد على نوعية التصرف والظروف المحيطة به، وأن يكون العقاب مناسبًا وملائمًا للتصرف الخاطئ الذي بَدَر، فلو ارتكب أحد الأبناء خطأ فيه تهديد وخطر على حياته، أو بدر عنه تصرف غير لائق وغير مقبول، لا شك أنه بحاجة إلى عقاب ليفهم جيدًا أن ما قام به هو أمر لا يُستهان به، أمّا في حال بَدَرَ منه تصرف خاطئ فيُنْصَح بانتقاء الجُمَل والكلمات والتحدث بطريقة وِدّية توضح الخطأ، وأنه لا يجب تكراره في المستقبل.

وأوضح أننا نلمس في القرآن الكريم صورًا وأساليب رائعة في التربية تعين على رسم أنموذج تربوي لتوجيه الأبناء في ظل التحديات المعاصرة، منها أسلوب الحوار والمناقشة، متمثلًا في حوار كل من النبي إبراهيم عليه السلام مع ابنه إسماعيل، وحوار النبي نوح عليه السلام مع ابنه، ولقمان الحكيم مع ابنه، وحوار النبي يعقوب مع ابنه الصغير يوسف عليهما السلام، ذاكرًا أنه من الخطأ العقاب في حالة غضب، فالواجب هنا الاسترخاء والهدوء للتخلص من نوبة الغضب ومن ثم توضيح الخطأ قبل المعاقبة؛ لأن شرح الأسباب ستمنحهم فرصة للتفكير قبل الإقدام على التصرف نفسه في المرة المقبلة عندما يجدون أنفسهم في مواقف مشابهة.

تراث تربوي

وقال عباس المعيوف -كاتب-: مفهوم التربية تغير عن السابق بعدة تعاريف ونماذج، وبالتالي من المهم أن ندرك التعامل الأمثل مع أولادنا بما يتوافق مع المناخ العام، مضيفًا أنه لم يعد البيت هو المربي الوحيد، فهناك عدة مخرجات لها تأثير كبير في تكوين شخصية الفرد منها الإعلام والمجتمع والأسرة المكون الصغير داخل المجتمع، وأنا على يقين أن مستقبل الجيل القادم مرتبط ارتباطًا وثيقًا بمدى وعي الأسرة بما يحيط بهم من مخاطر وتحديات، فنحن في عصر "السوشال ميديا"، ولعل الكثير يتفق معي على أن نوعية بعض المفاهيم ليست بذات القيمة الأخلاقية، خاصةً أن لدينا تراثًا تربويًا راقيًا جدًا علينا الاهتمام به وجعله دستورًا لنا خاصة هذه الأيام.

من جنس العمل

وتحدثت غادة البشر -كاتبة وإعلامية- قائلةً: أعتقد أن العقاب أيًا كان نوعه رغم إيماني بأهميته يجب أن يكون آخر الوسائل التربوية العلاجية التي نلجأ إليها لمعالجة السلوكيات الخاطئة لدى أبنائنا، إذ يجب أن يسبقها القـــدوة، والثــواب، والعقــاب، وفي حال اضطررنا إلى وسيلة العقاب فيجب أن نضع في اعتبارنا عديدًا من الأمور، منها الفارق الكبير بين المرحلة التي يعيشها الابن من حيث العمر والفهم والنضج والتجارب، والمرحلة التي نعيشها نحن، وبالتالي فهو لا يدرك الأمور بمدركاتنا، ويقف على الفارق الكبير بين الصواب والخطأ، لذلك كلما اقتربنا من عالمه، كان التوجيه أفضل وأيسر، كذلك علينا أن نراعي أن يكون الجزاء من جنس العمل، بمعنى ألا يتجاوز العقاب حجم الخطأ، ولا يكون عشوائيًا مقترنًا بانفعال اللحظة، بل يجب أن يكون متزنًا مدروسًا ليحقق الهدف منه ويأتي بثماره، بدلًا من جلب النتائج العكسية، ومن الأمور المهمة التي ينبغي الوقوف عندها عمر الابن، بمعنى ألا نعاقب طفلًا عقاب مراهق أو شاب، ونختار العقاب المناسب لكل عمر، كذلك علينا التدرج في أنواع العقاب المختلفة التي لكل منها دوره وتأثيره في تحقيق الهدف المراد من العقاب، ذاكرةً أنه يبقى للتربية بالحب والتأديب بالرفق والتوجيه دورها الإيجابي الفعّال الأول في التربية.

ضغط نفسي

وأوضحت فاطمة بنت صادق الخلف - إخصائية اجتماعية - أنه يخطئ بعض المربين في عقاب أبنائه حين الخطأ، وذلك يكون بسبب دافع تفريغ الغضب أكثر من التأديب، مضيفةً أن للزوجين وعلاقتهما الجيدة مع بعض الدور الكبير في تخفيف ردات الفعل العنيفة تجاه الأبناء، وذلك لأن الانفعال في بعض الأوقات يكون سببه الضغط النفسي المسبق عند أحد الزوجين، فيتم تفريغه على الأبناء، مُشددةً على أهمية التعامل الصحيح بين الزوجين لتخفيف الضغط النفسي لكل منهما، وانعكاسه للتعامل مع الأبناء، وكذلك تطوير النفس بالذكاء العاطفي والتحكم بالانفعالات، كما أن الوعي بالمراحل العمرية للابن وطبيعة مراحل النمو وطبيعة الأخطاء التي يقع فيها الأبناء تشكل عمل العقل في سلوك المربي، وبالتالي تصرف أفضل، لافتةً إلى أن أغلب الأخطاء التي يقع فيها الأبناء مجرد مرحلة مؤقتة من عمره وتنقضي بانقضاء المرحلة في حال تعاملنا معها بشكل صحيح، فلا تستدعي كل ذلك الانفعال والعقاب حين تفهمها.

معرفة الأخطاء

وقال خليفة الزبدة - مشرف المدن الصحية بالهفوف-: عقاب الأبناء على قدر الخطأ يجعله يعرف أخطاءه ويستفيد منها مستقبلًا بعدم تكرارها، مبينًا أنه قد يغضب الأب على شيء يراه الابن بسيطًا، وعندما يتم عقابه يبتعد عن والده كثيرًا، مضيفًا: "احرص دائمًا على توضيح الخطأ في تصرف الابن قبل معاقبته؛ حيث إن شرح الأسباب التي جعلته يستحق العقاب سيمنحه فرصة للتفكير قبل الإقدام على التصرف نفسه في المرة المقبلة، فدائمًًا العقاب المضاعف لا يصل إلى نتيجة إيجابية بل بالعكس قد يزيده عنادًا"، مشيرًا إلى أنه تؤكد نتائج الأبحاث الحديثة أن الأهل يندمون كثيرًا، ويشعرون بالذنب إزاء ضربهم للطفل، لكنهم في الوقت نفسه لا يعرفون طريقة أخرى لحمل الابن على الإذعان والطاعة والاحترام، مع أن ضرب الطفل أو صفعه يعلمه اللجوء إلى سلوك الضرب والعنف لحل مشكلاته، ولا شك في أن أكثر ما يؤرق مجتمعاتنا المعاصرة اليوم هو العنف المتزايد، ناهيك عن أن الابن الذي اعتاد على الضرب سينشأ وهو يحمل تقديرًا ضعيفًا لذاته.

نقلا عن جريدة الرياض