ملعب الحارة.. بقيت الذكريات شاهدة على غياب الترفيه!

ساهم ملعب الحارة في الماضي في جمع أبناء الحي الواحد لممارسة كرة القدم، وكان يمثل بذلك متنفساً لهم ومكاناً مناسباً للم شملهم وإتاحة الفرصة لهم للتعارف والتآخي، إلا أن ملاعب الحواري اليوم باتت غير موجودة على أرض الواقع في كثير من الأحياء بمعظم مناطق المملكة، إذ إن معظمها تم تحويله إلى مخططات سكنية جديدة، وتعالت كثير من الأصوات في الآونة الأخيرة مطالبة "وزارة الشؤون البلدية والقروية" و"الرئاسة العامة لرعاية الشباب" بضرورة عودة هذه الملاعب إلى الواجهة من جديد، وذلك بعد أن أوشكت هذه الملاعب على التلاشي تماماً، بعد أن حول أصحاب كثير من المخططات السكنية تلك الساحات التي كان يمارس فيها الشباب هواياتهم المختلفة إلى كتل خراسانية.

ضرورة أمنية

وأشاد "د. أحمد بن حمد البوعلي" - نائب رئيس المجلس البلدي بمحافظة الأحساء، وإمام وخطيب جامع آل ثاني - باهتمام "وزارة الشؤون البلدية والقروية" بالشباب"، إلا أنه طالبها بمزيد من التوسع من الناحية الكمية والنوعية، خصوصاً أن أكثر من (٦٥٪) من سكان المملكة هم من فئة الشباب، مؤكداً أن لملاعب الحواري في الأحياء أهمية أمنية واجتماعية، لافتاً إلى أن الرياضة ضرورة دينية وصحية واجتماعية وأمنية، حيث حث ديننا الإسلامي على العناية بالنفس وربط الشباب بالرياضة السليمة التي تعود عليهم بالنفع.

وأوضح أن التطور الكبير الذي طرأ في العقود الأخيرة على مفهوم الرياضة ومزاولة التمارين الرياضية والحاجة لمزاولة الرياضة من قبل مختلف الأعمار لكلا الجنسين، جعلت من وجود ساحات لممارسة رياضة المشي والجري في وسط الحي أمر في غاية الأهمية، لما لذلك من فوائد مختلفة تعود على الصحة، مبيناً أن اللياقة البدنية أصبحت أمراً مهماً للأشخاص السليمين ولمن يعانون بعض الأمراض المزمنة، حيث تلعب التمارين الرياضية دوراً مهما في الوقاية والعلاج.

ساحات شعبية

وذكر "ناهض الجبر" - رئيس المجلس البلدي بمحافظة الأحساء - بتوصيات مجلس الشورى السعودي عام (1422/1423ه) للوزارة والجهات المعنية، موضحاً أنه دعا للاهتمام بإنشاء الساحات الشعبية في المحافظات، لاستغلال أوقات الفراغ لدى الشباب، مشدداً على أهمية استثمار طاقات الشباب، ومنحهم الفرصة لإبراز إبداعاتهم على مستوى كل الأصعدة، سواء الثقافية أو الرياضية، وغيرها، لافتاً إلى أن أغلب اللاعبين هم خريجو ملاعب الأحياء، خصوصاً الدورات الرمضانية التي قدمت عدداً كبيراً من الموهوبين في المجال الرياضي.

وأشار إلى أن لملاعب الحواري دوراً مهماً في توطيد العلاقة والتواصل الذي يعيشه أفراد المجتمع فيما بينهم داخل الأحياء، خصوصاً فئة الشباب، مضيفاً أن البلديات مسؤولة عن إنشائها وتشغيلها وتنظيمها، مشدداً على ضرورة التنسيق وتوحيد الجهود من قبل البلديات للإفادة من الخبرات، إلى جانب التواصل مع "الرئاسة العامة لرعاية الشباب" و"وزارة الشؤون الاجتماعية" و"وزارة التربية والتعليم" و"الجمعيات الأهلية" و"مراكز الأحياء" و"لجان تنمية المجتمع"؛ لكي تتحقق الفائدة لجميع فئات المجتمع.

مساهمة مجتمعية

ودعا رجال الأعمال والبنوك إلى المبادرة بتمويل ونشر هذه الملاعب كمساهمة مجتمعية، خصوصاً أنه يمكن من خلال هذه الملاعب والساحات الإفادة من وقت فراغ الشباب بما يعود عليهم بالنفع، محملاً في الوقت نفسه فئة الشباب جزءً من المسؤولية في هذا الجانب، لافتاً إلى أن من أهم الصعوبات التي تواجه إنشاء هذه الملاعب والساحات الشعبية، عدم تقدير بعض الشباب لمثل هذه الملاعب والساحات.

وشدد على أهمية المحافظة على هذه المنشآت واحترام الأنظمة والقوانين، ليتسنى للجميع الإفادة المرجوة منها، مشيراً إلى أن الحاجة ماسة لإعادة التفكير في تنشيط وإحياء ساحات البلدية التي يمارس فيها الشباب أنشطتهم، موضحاً أنه من الضروري توفرها في كل حي؛ لكي نجنب الشباب كثيراً من المخاطر، مبيناً أن شبابنا في هذا العصر مستهدف بشكل كبير من قبل جهات خارجية، داعياً لتسليم الساحات والملاعب إلى مجلس الحي أو مراكز الأحياء واللجان الأهلية والجمعيات التعاونية لإدارتها والإشراف عليها والعمل على تنظيم المسابقات الرياضية فيها.

ورأى "سلمان الحجي" -عضو المجلس البلدي بمحافظة الأحساء - أن توفير الملاعب الرياضية أمر في غاية الأهمية، متمنياً أن توفر كل الأمانات والبلديات في المملكة هذه الملاعب الرياضية، داعياً إلى إلزام أصحاب المخططات السكنية الجديدة بتوفير ساحات مخصصة لملاعب الحواري، مع أهمية اختيار الموقع بعيداً نسبياً عن منازل السكن؛ حتى نتفادى إيذاء المواطنين ونحقق ثمرات ذلك التجمع.

سلوكيات سلبية

وبين "أحمد الصويلح" - لاعب نادي الهلال والمنتخب السعودي الأسبق - أن فرق الحواري تعد المكان الذي يولد منه معظم اللاعبين، ليس في المملكة وحسب، إنما في معظم دول العالم، موضحاً أن لملاعب الحواري فضل كبير على جميع اللاعبين، مشيراً إلى أن ملعب الحارة كان يمثل له المكان الذي يمضي فيه جل وقته بعد عودته من المدرسة، مؤكداً أن هذه الملاعب لها دور مهم في إشغال تفكير الناشئة عن التفكير في ممارسة العديد من السلوكيات السلبية.

ولفت إلى أنه يوجد في الحواري أسماء لاعبين كبار، كما أنها تضم مواهب كبيرة جداً، مضيفاً أنها مكان يعود اللاعب الصغير على احترام النظام ويجهزه للالتحاق بالأندية الرسمية، داعياً "الرئاسة العامة لرعاية الشباب" لتهيئة مواقع وساحات مزروعة لممارسة الأنشطة الرياضية من قبل الشباب وصغار السن، وليس كرة القدم فقط، على أن يضم كل حي ملعبين أو ثلاثة ملاعب للممارسة الألعاب الرياضية المختلفة.

اكتشاف المواهب

وأوضح "نزار العبدالمحسن" أن الالتحاق بالأندية الرسمية يكون لأعداد محدودة جداً من الشباب وليس لكل الشباب، كما أن الأندية الرسمية فيها التزام بالحضور والتدريب، على عكس ما هو عليه الحال في الحواري، حيث تتسم الأمور هنا بالأريحية التامة والقرب من المنزل، مؤكداً أن في تلاشي هذه الملاعب من الأحياء آثار سلبية ستنعكس على الشباب، متمنياً إيجاد بدائل مناسبة لها في حال تمت إزالتها نهائياً، كأن يتم تخصص أماكن للعب وممارسة الهوايات في جميع الأحياء.

وقال "محمد بن خليفة الصالح" - عضو الاتحاد السعودي لكرة السلة: "إن معظم لاعبي منتخبنا لكرة القدم خرجوا من ملاعب الحواري، ثم انتقلوا بعدها إلى الأندية، ثم إلى المنتخب الوطني"، مؤكداً أن "الرئاسة العامة لرعاية الشباب" قادرة على توفير ملاعب لكرة القدم داخل الأحياء، موضحاً أن ذلك يمكن أن يحدث بعد التنسيق مع "وزارة الشؤون البلدية والقروية" و"القطاع الخاص"، مشيراً إلى أن هناك ارتباطا قويا بين ممارسة الرياضة والتفوق الدراسي.

وأكد "وليد بن محمد الشويهين" - نائب رئيس نادي الجيل- أنه لا يمكن للأندية احتواء جميع الشباب الراغبين في ممارسة الرياضة؛ وذلك لمحدودية الأعداد نظاماً، بيد أن الحواري هي الأرحب في هذا الشأن، كما أنها أهم روافد الأندية لاكتشاف المواهب، حيث يتجه إليها كشافي المواهب في الأندية لضمهم لأنديتهم، مشيراً إلى أن غياب ملاعب الحواري سينتج عنه لجوء الشباب إلى ممارسة سلوكيات خطرة وضارة بالفرد والمجتمع، إلى جانب غلق نافذة تشرق منها شمس مواهب البراعم والشباب للأندية والمنتخبات الوطنية.

ملاعب الحواري

وأشار "عبدالله القريني" - كابتن فريق العروبة للحواري بالمبرز - إلى أنه تقرر تحويل ملعبهم الوحيد إلى مخطط سكني، موضحاً أن ذلك سيقضي على موهبة (40) لاعب شاب كانوا يمارسون هوايتهم كل يوم في هذا المكان، متسائلاً: "إلى أين سيتجهون الآن؟"، مضيفاً أن فريقه بدأ منذ حوالي (16) عاماً في هذا الملعب الذي كان المتنفس الوحيد لهم، لافتاً إلى أنه إضافة إلى كونه ملعب ذائع الصيت، فإنه كان يحتضن عدداً من المناسبات واحتفالات الأعياد.

وأضاف انه عمل هو وزملاؤه على تجهيز هذا الملعب ودفع كل واحد منهم مبلغ (100) ريال، قبل أن تأتي معدات الحفر وتهدم كل جهودهم تلك، مشيراً إلى أن ملاعب الحواري كانت المغذي الأول للأندية الرسمية والمنتخبات، كما أنها تحفظ أوقات الشباب فيما يعود عليهم بالنفع، وتجعلهم تحت رقابة أعين ذويهم، خصوصاً أنهم يلعبون بالقرب من منازلهم مع أبناء الحارة، متسائلاً: "إذا أغلقت الملاعب في وجوههم، فأين يذهبون؟، وما نتائج ذلك؟".

ولفت إلى أن الأندية الرسمية لا تقبل سوى عدد محدود من اللاعبين، وبالتالي لا يمكنها استيعاب جميع الشباب الذين يلعبون في ملاعب الحواري، مشيراً إلى أن مدينة "المبرز" بمحافظة الأحساء - مثلاً -، التي يبلغ عدد سكانها نحو (450) ألف نسمة لا يوجد بها سوى ناد رسمي واحد، وهو نادي "الفتح"، وبالتالي لا يمكنه استقبال مئات اللاعبين.

مخططات سكنية

وشدد "عباس بوعثمان" - مؤسس فريق نجوم الرابية للحواري بالبطالية - على ضرورة الإسراع في توفير ساحات مخصصة لملاعب الحواري قبل أن ينشغل شبابنا بما يعود عليهم وعلى وطنهم وأسرهم بالضرر، متسائلاً: "هل يعقل أن يتم القضاء على جميع ساحات الحواري، ويبقى الشباب بلا متنفس؟".

وأيده الرأي "أمير العبداللطيف"، مضيفاً أن ما يحصل من تحويل الساحات إلى مخططات سكنية من دون تهيئة مواقع لممارسة اللعب للشباب هو أمر خطير لا يبعث على الاطمئنان.

وبين "يعقوب القريني" - لاعب حواري - أنه أصيب بصدمة حينما طلب منه هو وزملاؤه بالفريق مغادرة ملعبهم لتحويله إلى مخطط سكني، مضيفاً أن هذا المخطط الوحيد في مدينة "المبرز" قضى على أكثر من (25) ملعباً يلعب فيها مئات الشباب، متسائلاً: "أين سيفرغ هؤلاء الشباب طاقاتهم وجهدهم ونشاطهم؟"، داعياً الجهات المعنية للاقتداء بالمخططات السكنية التي تنفذها شركة "أرامكو"، حيث يتم تخصيص ساحات في وسط الحي مسورة بسياج حديدي لممارسة النشاطات الرياضية.

وتمنى "عبدالرحمن بوعبيد" أن تبحث الجهات المعنية بشكل جاد موضوع ملاعب الحواري، على أن يتم إيجاد حل جذري لهذا الموضوع في أسرع وقت ممكن، مشيراً إلى أنه من غير المعقول أن تتحول كل الأراضي لمخططات تعبئها الخرسانة من دون أن يتم الالتفات للشريحة الكبرى في المجتمع وهم الشباب الذين لا يريدون إلا ملاعب حتى لو كانت ترابية يمارسون فيها كرة القدم وبعض النشاطات الرياضية الأخرى، خصوصاً أن الملاعب الخاصة التي يتم تأجيرها غير متاحة للجميع؛ لأن أسعار إيجارها مرتفعة.

المصدر: http://www.alriyadh.com/1020404